أخبار عاجلة
الثقافة أولا ..كيف نبرئ ذمتنا أمام الله 2/2

الثقافة أولا ..كيف نبرئ ذمتنا أمام الله 2/2

جميل حمادة

 

إن كثيرا من العرب لا يعلمون قيمة وعظمة اللغة العربية وجمالها وقدرتها الخلاقة على توليد المفردات، وعلى استيعاب العلوم الحديثة، والسلاسة الاعجازية لدى العربية في هذا الاطار. بل إن العديد من الشعوب الإسلامية يحسدون الشعوب العربية على لغتهم، مثل شعوب باكستان والهند وإيران وأفغانستان، والعديد من الشعوب التي تدين بالإسلام من جمهوريات القوقاز، أو جنوب شرق أسيا. لذلك تجدهم يحتفون بالعربي حين يتواجد بينهم في مسجد أو مدرسة أو جامعة.. أو محفل من ذلك القبيل، بل ويقدمونه على بعضهم، ذلك لأنه عربي ويتحدث العربية بطلاقة، أو هكذا يفترض.

رغم ذلك ترى من العرب من لا يستطيع حتى التعبير عن نفسه في أبسط المواقف أو أيسر المجالات، على الرغم من أنه يفترض عليه أن يكون فيها نابغة وأن يتكلمها كما يشرب الماء ويتنفس الهواء. نحن لسوء طالعنا لا نقدر لغتنا حق قدرها، بل وترانا نعجز عن التحدث بجملة واحدة سليمة بلغة فصيحة. ولو تصادف وأجري معه لقاء مرئي أو إذاعي، سيتحدث كلمتين بالفصحى، ثم يجد أنه غير قادر فيتوقف ويواصل حواره بالدارجة. علاوة على ذلك تجد العربية اليومية الآن خليطا غريبا من لغات شتى، وربما تجد في جملة واحدة من سبع كلمات مثلا، واحد بالانجليزية، واثنتين بالفرنسية، وثلاث بالايطالية،..وربما كلمتين فقط بالعربية.

وعلى ذلك نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار للغتنا العربية الجميلة المقدسة، وإعادة الاعتبار لمناهج اللغة العربية، وتقويتها، وتعزيز قدرات مدرسي اللغة العربية، والقيام بدورات تقوية لمختصي اللغة العربية في كافة نواحيها. كما أننا بحاجة إلى الاهتمام بالفنون الجميلة، وبالآداب والعلوم الإنسانية. نحن في أمس الحاجة إلى إعادة زراعة الروح السامية التي تعزز اكتشاف المواهب الإبداعية والأدبية والفنية في الشعر والقصة والرواية، والنقد، والفن التشكيلي، والموسيقى والمعمار.. فلا تبنى حضارة بمعزل عن مجمل هذه الفنون، التي هي بالضرورة رديف للعلوم التطبيقية، ولا ترتقي العلوم التطبيقية إلا بازدهار علوم اللغة والأدب والنقد وعموم مجالات الإبداع الإنساني. فحتى كتابة نظرية علمية، لا تستقيم إذا كان صانعها لا يتقن لغته الأم.. وهذا ينسحب على مجمل العلوم الإنسانية، في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والفن والسياسة والاقتصاد.

ثمة مسألة خطيرة تتراءى في الأفق العلمي والمعرفي، وهو أننا نواصل تهميش الثقافي، والمعرفي لمصلحة الحياة المادية والعلوم التطبيقية قصيرة الأجل، وفي هذا السياق يتم تهميش الوعي الإنساني والحضاري، لحساب المجهول. يجب على أية جهات مسئولة في هذا السياق أن تتجه نحو تكريس الوعي المعرفي والثقافي للإنسان في بلادنا.

نحن في حاجة إلى مراجعة الكثير من أمورنا الحياتية، التي نعلم جيدا أنها قائمة على الكثير من الأسس الخاطئة؛ هذا صحيح. ولكن ربما أهم شيء، وأول شيء وأيسر شيء ينبغي أن نقوم به، هو أن نعلم أبناءنا اللغة العربية السليمة، على الأقل لكي نبرئ ذمتنا غدا أمام أبنائنا، وبعد غد..أمام الله..! أليس كذلك.

عن some amohamed

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: